جمانة حداد في "كتاب الجيم" ..الجسد كيوبيدي والآخر مقلوعاً رأسُه من العنق ومطعوناً بسكاكين المعنى

جمانة حداد في "كتاب الجيم" ..الجسد كيوبيدي والآخر مقلوعاً رأسُه من العنق ومطعوناً بسكاكين المعنى

21-03-2012


روجيه عوطة 

في "كتاب الجيم"، الصادر عن "دار العربية للعلوم ناشرون"، تتخطى جمانة حداد ذاتها التي تتطابق مع النص وتتفق معه في الكشف الجيولوجي عن أقدم "الفراغات المعلقة" والخيبات الناقصة، وعن أحدث الشهوات الشريدة والجرائم المعزّية. فالقصيدة تعوّض عن الخسارة وتشاطر الشاعرة فرارها من أناها واعتضادها بها، على رغم جزمها أن الكتابة طقس من طقوس السراب، فـ"ما من حقيقي إلا الصمت/ كل ما بقيَ ضجيج/ لإسكاته". تتفرق القصائد في سبعة أبواب، مفتاحها "الأنا" المتمظهرة بنبرات شعرية متنوعة، تعكس قدرة الشاعرة على استرجاع لحظاتها الأولى بعد صفعة الولادة، واستحضار التفاصيل الحياتية، من الطفولة إلى سن الأربعين، في قالب حدسي، أضلاعه النصية متينة وزواياه التذكرية حادة. تهب الأنا الشعرية مراياها للآخر وتعترف له بما تحويه من انفعالات غيرية غالباً ما تحضر في مسيرة التقابل الثنائي بينهما: "صرخات أمي تلدني/ صرخاتها تلدها". تُعلّق الشاعرة وجوه الأنوات الأخرى في عمق الهاوية، أو في قعر الذاكرة المتوترة أمام "المشاهد المحتملة" والرغبات المتضاربة بغيابها التعييني، والمطمئنة عندما يتنازعها الجسد ولذته المختبئة خلف كل ذكرى. تجالسها حداد كي تنطلق مما هو وراء وجودها، فتسحب منه كل ما لمحته عينها: "أنا/ الثقب الحزين في جوارب معلّمتي/ لا يزال يحدّق فيَّ كعتاب هابيل في ضمائري". وأخفته في ذاتيتها الطفولية والراشدة وفي تكوينها الجسدي: "أنا كذبة بابا نويل/ وإلى اليوم أصدّقني"، "أنا كذبة الله/ وما عدت أصدّق"، "أنا مراهقة نهدي الأيمن/ أنا حكمة الأيسر/ جبروت النهدين تحت القميص الضيّق/ ثم وعيي لجبروتهما". هذه اللحظات هي ديمومة خالصة وسيلان سيمانطيقي لا تتوقف معانيه عن التداعي لخلق نص تحوزه "الأنا المُخلصة"، بحسب غبريال مارسيل، أي التي تخلق نفسها لإيضاح معالمها في قصيدة، لغتُها قاسية وسادية، وجملتُها مرصوصة. يتعرف الآخر إليها كأنه يدوس على جثته. إذ يزجّ به سياقها الشعري في غرفة تعذيب إسبانية، منافذها مقفلة، فيلتهمه العذاب على مهل ليتعرى من جلده وتفترسه وحوش القصيدة بعد أن يغرز جسدها أظفاره في لحمه: "تشرّع فخذيها لرغبةٍ كلما طرقت. تشرّعهما، الفخذين، ثم تغمضهما كشرك. دبق العصافير على شفير فرجها كي يتمرّغ من استدرجتهم إلى المكمن. ثدياها صنّاراتان وصرخاتها عصير النشوة". يلتقي الآخر برأسه مقتلعاً من العنق، وبجذعه مشطوراً نصفين، ملطخاً باللعاب والمنيّ، ومطعوناً بسكاكين المعنى. أو يتعرض لحادث سير متواصل: "قصيدتي حادث سير، نعم. بل سلسة حوادث. أكثرها خطورة؟ ذاك الإرتطام المروّع بينك وبينك ولن تسلم". هو حادث سير لا يغادره الآخر إلا لتدهسه دواليب الفقدان من جديد وترديه رجلاً يشتهي الإستئثار بـ"الأنا" الهاربة إلى الوحدة في طيات النص. تنفي قصيدة الجيم الآخر، تدجّن عدمه ببتره عن وجودها، لتعود إلى ذاتها وتقطن فيها متجاوزةً مواضيعها، ومنقطعة عن الممكن: "وحدي/ كي بلا هدف". تختار حداد العيش، "استطاعة الوجود"، وحيدةً، من دون أن تنصت إلى الخارج ويتملكها قلقه أو خطيئته حين يناديها. تصمم على مواجهة الموت بعزيمة استفهامية تسائل بها الماضي وتسلبه كينونته، فــ"حوض فريدا كاهلو، وجع مارلين مونرو المكتوم، جرّة الماء على رأس امرأة إفريقية"، أكثر كمالاً من "الأشياء والناس الذين كنتهم أمس/ ومن أكونهم في الغد/ ويصنعونني". لا تكترث حداد إلى الماضي، تزيل آثاره وتمحو انجذاباته الزمنية، الواحدة تلو الأخرى، باسترداد قرارها الأصلي: "وحدي كي أعرف لماذا أمي ولدتني لماذا سمّتني لماذا أرضعتني لماذا هدهدتني لماذا كستني... لماذا لم تدخل سكيناً في رحمها (في الشهر الثالث أو الرابع من حملها عندما يتكوّن عنق الجنين) وتذبحني من الوريد إلى الوريد". تتمعن الشاعرة في أمومتها، تثبت أنها امتداد لأمّها، بالمعنى الهيغلي، بحيث الأم تنفي وجودها كي "تكون" إبنتها، "أنا الأمّ. أمّي. جمّدتني الحياة جمّدتها في برّاد الزمن. لم تكبر. لم تسافر. لم تُخطف. لم تمت". حتى لو أطلقت النار على "الجيم" وأفلتت العنان لجُملتها الجرمية، فالجيم للجريمة أيضاً: "لا حاجة بهم أن يعرفوا/ أن المسدس في فمكِ/ لا حاجة بهم أن يعرفوا/ أنك ِ سفّاحة نفسكِ"، التي لا تخاف ذاتها ولا تهرب منها بل إليها، و"في هذا المعنى، لا يكون الهرب هرباً، لأنه التجاء إلى المكان الذي تلتقي فيه الذات أمّها المفقودة"، وتخبرها عن خيانتها الوقت في سنّ الأربعين. في القسم الثاني من الكتاب، "جمانيات"، الذي يزيّنه أمين الباشا بلوحات خطوطية تجمع جسدَي الذات والآخر حتى في انفصالهما، تنتقل جمانة حداد إلى فضاء محض إيروتيكي، قصائده قصيرة، تؤرخ بأغلبها لعلاقة جسدية تطغى النظرة الأنثوية عليها باعتبارها عصباً كيوبيدياً يشد الجسدين أحدهما الى الآخر، من خلال إغناء الفعل الجنسي شعرياً وكسر الحواجز بين نقاء الشهوة وترجمتها التعبيرية في ألفاظ ترتجف مع كل احتكاك بين الأعضاء الجسدية: "ألتف على قضيبك كأفعى/ فيبخّ هو سمومي". يتكثف المعنى في جملة حيوية تحمل الطاقة الإيروسية على الإنبلاج في النص: "الغصن غصنك/ لكن فرجي هو ما يورق"، وعلى رسم الجسد في كل حالاته بعد استدراجه جسداً آخر نحوه: "الدغدغة للمبتدئين/ ألكز التنين/ حتى ينفث ناره"، وإثارته: "سرّتي كأسك الصغيرة/ أسكب لك نفسي فيها/ قطرة قطرة/ تلعق/ وتدوخ"، بغية الإلتحام: "رأيتني اشهق/ عندما جففتني أمس/ بلسانك.../ منشفتي تكرهك"، والخلق: "رحمي الأرض/ قضيبك المحور/ كلما حصرته شمس على بقعة فيَّ". تتحطم كل الطقوس الأسطورية، لا سيما الدينية، "فرجي كرسيّ اعترافك/ لساني قربانك المقدّس./ تعال نأثم الآن: مغفورة لك فضائلك إلى حين"، التي تبعد الجسد عن ذاته، وتصبح جزءاً من جاذبية شهوانية تضيف الى قصيدة حداد تناغما رمزيا بين المحسوس والملفوظ، يستجيب التحوّل الهرمونطيقي في قراءة الجسد وتبجيله في مرآة غيرية، لا تسرق من الذات وجهها، ولا تتعدى على وحدتها، ولا تشوّه جسدها أو تضني نتوءاته النصيّة.