هكذا توفي مولود معمري قبل 23 سنة مضت

هكذا توفي مولود معمري قبل 23 سنة مضت

23-02-2012

محمد عاطف بريكي 

في ليلة الـ(26) من شهر فيفري سنة 1989،إستقبلت مصلحة الإستعجالات بمستشفى عين الدفلي جثة رجل عجوز راح ضحية حادث مرور بعدما تم إستخراجها بصعوبة من سيارة من نوع بيجو 205 إصطدمت بشجرة ثابتة عند مخرج مدينة عين الدفلى و برغم الإسعافات التي قدمت للضحية عقب الحادث( 20 دقيقة حسب الطبيب المناوب) إلا أنه توفي بعد وصوله المستشفى بعد ساعة زمن، لم يكن بالمستشفى ليلتها طبيب جراح.

ظلت جثة مجهولة، الى أن تم تفحص وثائقه،كان من بينها جواز سفر يحمل آخر تأشيرة للمملكة المغربية قبل يومين فقط و رخصة السياقة كتب عليهما هويته: محمد معمري الساكن بشارع سفينجة – الأبيار-الجزائر-.بعد أخذ و رد و سؤال بين الطاقم الطبي المسعف ثبت أن لقب معمري لا يمت بصلة لعائلات مدينة عين الدفلى ،جاس صمت رهيب قاعة الإنعاش قبل تقرر نقل الجثة لمصلحة حفظ الجثث، أحد الممرضين إقترح الإتصال بالشرطة و مدهم بالعنوان للقيام بالتحريات اللازمة ،كان الوقت متأخرا و ظلت جثة الرجل مسجاة على طاولة باردة برودة تلك الليلة المشئومة.لم تكد شمس الشتاء المتباطئة تشرق إلا في حدود الساعة 8:00 – كان اول من إلتحق بالمستشفى رئيس مصلحة طب الأطفال الدكتور عمار خريص (وكان مهتما بالأدب و الثقافة عموما) تم إخباره على الفور بجثة سائق السيارة و أعادوا على مسامعه الحكاية ...

قبل يومين من  الحادثة أجرت مجلة "لوماتان دي صحرا" أو صباح الصحراء المغربية حوار خصصته لموضوعة "الأدب المغاربي المكتوب باللغة الفرنسية و آفاق العولمة" و إختارت الكاتب الجزائري مولود معمري لمناقشة هذه الإشكالية الإستشرافية. بدا الدا المولود متفائلا في أجوبته و أبدى انفتاحا لكتابات الجيل الجديد و توسم فيهم خير كثير بيد أنه قال عنهم :".. أولئك الشباب لهم نظرة جديدة في التفكير و تتوافق ووقتنا المعاصر و عليه لا بد أن يتجلى ذلك في كتاباتهم"

و في سؤال عما إذا كان ما زال مواظبا على كتابة الرواية. أجاب مولود معمري حرفيا:"بالطبع، أشتغل حاليا على رواية و عمل مسرحي ثالث،و ما أتمناه أن أواصل الكتابة الى آخر رمق من حياتي".

ذكر الصحفي المغربي الذي أجرى الحوار حادثة طريفة،لكنها أثرت فيه لاحقا،أيما تأثير. يقول أنه طلب قلم من مولود معمري ليدون عنوانه في الجزائر بغية التواصل، فإذا بالقلم الجاف يتوقف عن الكتابة في وسط المسافة.فإستفسر الصحفي مبتسما:" لقد فرغ الحبر من قلمك؟ !". فأجابه الدا المولود مازحا :"أظنه مات".

عندما كشف الدكتور عمار خريص عن وجه الجثة صاح مجلجلا كأنما رأى وجه أحد اقربائه :" إنه الكاتب مولود معمري" ليصاب الحضور بذهول غريب.

تسمر كل من كان في قاعة حفظ الجثث في أماكنهم للحظة.

بدى وجه الدكتور خريص مكفهرا و غاية في الآسى و التأثر،لكنه إستجمع أفكاره المشتتة و أخذ يجري إتصالات لإبلاغ عائلته بالخبر.

كانت الساعة تشير الى التاسعة و عشر دقائق 9.10 سا في ذلك الصاباح الممزوج بطعم الدفلى عندما تناهى صوت إبنة الكاتب الى سماعة الهاتف لململ شجاعته الهاربة وفي الأخير بلسان متلعثم نقل إليها الخبر المشؤوم.

في حدود الساعة الثانية زوالا من يوم الـ(27) فيفري 1989 وضعت جثة الفقيد في نعش مسجى على عتبة بيته بشارع سفنجة بالأبيار. و في اليوم الموالي نقل نعشه في موكب مهيب الى مسقط رأسه بقرية تاوريرت ميمون بالقبائل حيث شيّع الدا المولود الى مثواه الأخير في جو جنائزي حضره أكثر من 200 ألف شخص. جاء الجميع :شيبة و شباب نساء و رجال ، أطفال، بطالون و كادحون ،شيوخ ،مثقفون،أميون،عجائز...الكل جاء لوداع آخر قلاع الإلتزام في الجزائر، المحارب الأبدي الشرس، التروبادور المطارد،حامي الجذور و الجذوة من الإنطفاء... توقف قلم الرجل لكن بقيت روحه سارية بين التلال المنسية لبلاد القبائل في عبور لا يمل حاملا عصاه وفي جيبه أفيونه المسكر(قلمه) قد يستسلم لإغفاءة العادل ، لكنه أبدا يقض في زمن الخيانة... حضر الجميع بإستثناء الرسميين ! و أي "رسمي" تسوّل له نفسه الولوج بين تلك الجماهير المشيّعة/ المفجوعة في فقدان إبنها و شعارات التنديد بالسلطة ترددها حناجرهم الغاضبة.